السيد العمدة يشارك في ندوة حول آفاق المجالس الجهوية في موريتانيا

شارك عمدة البلدية السيد د. محمد الأمين سيد المختار شعيب صباح اليوم السبت في نواكشوط في ندوة منظمة من طرف المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية حول:
“آفاق المجالس الجهوية في موريتانيا في ظل تواضع مكاسب التجربة البلدية”.
وقدم محاضرة بعنوان ” مكامن الضعف في التجربة البلدية في موريتانيا ” وطالب فيها بالإسراع في نقل الصلاحيات والموارد المخصصة لها الى البلديات وخاصة الصلاحيات والمهام المحددة في القوانين المنظمة مثل التعليم الأساسي والصحة القاعدية …إلى آخره.
وكذلك الرفع من المخصصات المقدمة للصندوق الجهوي الممول الرئيس للبلديات وخلق نظام وظيفة عمومية لعمال التجمعات المحلية.
فيما يلي نص كلمة السيد العمدة:
تعود البدايات الأولى لنشأة البلديات في موريتانيا لمرحلة الاستعمار حيث تم تأسيس أربع بلديات وفق نموذج بلديات منطقة إفريقيا الغربية الفرنسية وهي:أطار – كيهيدي – روصو سنة 1953 وأضيفت بوكى سنة 1955 وكان النظام الإداري لهذه البلديات نظاما مختلطا في شكل إدارة مشتركة بين المقيم الممثل للسلطة الاستعمارية وعمدة منتدبا يتم تعينه بمقرر من رئيس إقليم المستعمرة ولجنة بلدية معينة من قبل السلطة نفسها وباقتراح من لائحة وجهاء معدة من قبل حاكم الدائرة.
ورغم أن هذه البلديات كانت تتوفر على أملاك وميزانيات إلا أنها مجردة من أية صفة تمثيلية آو من الرغبة الصادقة في إشراك القوى المحلية ومع ذلك كان عمد هذه البلديات يحظون باعتبار واحترام خاصين ويمارسون سلطة حقيقية دون معارضة من المقيم أو الحاكم بصفتهم ممثلين للقوى التقليدية . ورغم أهمية هذه التجربة إلا أنها اقتصرت على مناطق محدودة من البلاد وكانت تأثيراتها الحقيقية على السكان هامشية إلى حد كبير.
وتشكل التجربة البلدية الأولى بعد الاستقلال تعبيرا عن رغبة البلاد في تبني النموذج الفرنسي القائم على حماية وحدوية الدولة والمركزة القوية ، وفي هذا السياق اختارت موريتانيا تبني نظام إداري تطبعه المركزية القوية وذلك لترسيخ مفهوم الدولة في ذاكرة الموريتانيين قريبي العهد بالسلطة المركزية من خلال إنشاء هياكل إدارية مرتبطة بالسلطة المركزية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية و إغراءات الهيمنة من الدول المجاورة، ومع ذلك فرضت عليها متطلبات إدارة أراضيها المترامية الأطراف إنشاء وحدات لامركزية لضمان تقريب الخدمات من المواطنين من خلال تطبيق لامركزية بلدية محدودة تم بموجبها توزيع البلاد إلى ثلاث مستويات من البلديات:
 البلديات الحضرية: وهي مجموعات إقليمية في تجمعات حضرية يتجاوز سكانها 1500 ساكن (تشكل امتداد للبلديات المختلطة في العهد الفرنسي)تتمتع بالشخصية الاعتبارية ولها ميزانيتها الخاصة بها وصلاحياتها محدودة , وهي خمس بلديات في كل من نواكشوط – أطار- كيهيدي -روصو – بوكى ، ولهذه البلديات مجالس بلدية منتحبة بالاقتراع العام وهي التي تعين العمدة. ورغم أنها منتخبة إلا أن علاقتها بالسلطة كانت أقرب للتبعية منها إلى التعاون.
 البلديات النموذجية أو التجريبية، وهي ثلاث بلديات تحظى بحالة وسيطة في كل من :لعيون – نواذيبو – افديرك ويديرها عمدة منتدب من الحكومة وهو ما يعكس الحضور القوي للسلطة المركزية . و يتمتع هذا المستوى من البلديات بالشخصية الاعتبارية ولها ميزانيات وأملاك خاصة ولها نفس صلاحيات البلديات الحضرية.
 البلديات الريفية: وعددها 23 بلدية ولها مجالس بلدية منتخبة وعمد معينين من طرف السلطة المركزية وتتوفر هذه البلديات على صلاحيات خاصة أكثر أهمية من صلاحيات البلديات الحضرية لكن تأثيرها أقل نظرا لنمط تعيين العمدة الذي يمنحه سلطة راجحة داخل البلدية وهو ما يعني أن السلطة المركزية في النهاية هي التي تقرر الشؤون البلدية بدلا من الممثلين المنتخبين من طرف السكان المحليين. وقد تم إلغاء البلديات الريفية سنة 1968.
وقد شهدت حركة تنظيم البلديات تطورا هاما بعد الخطاب المفاجئ للرئيس السابق معاوية ولد سيد احمد الطايع في 12 دجمبر 1985 الذي أعلن فيه عن مسلسل من الانتخابات البلدية المتدرجة، تبدأ بعواصم الولايات( 1986)ثم عواصم المقاطعات ((1987 وأخيرا البلديات الريفية( 1988) وصلت في مجموعها(207) سبع ومائتان بلدية انضافت إليها سنة2001 بلديات نواكشوط التسع وبلديات أخرى في السنوات الأخيرة ليستقر العدد حاليا على 219 بلدية (56بلدية حضرية و163 بلدية ريفية).
وقد حدد الأمر القانوني رقم 87/289 الصادر بتاريخ: 20 أكتوبر 1987 البلدية بأنها : جماعة إقليمية في القانون العام تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالية المالية وصلاحيات خاصة.
و رغم وجود مكتسبات مهمة في مسار التجربة البلدية نذكر منها:
• وجود منظومة قانونية وتنظيمية بدء بالأمر القانوني القاضي بإنشاء بلديات سنة 1987وماتلاه من نصوص قانونية وتنظيمية (إعلان سياسة اللامركزية بتاريخ 1995 ورسالة سياسة وزارة اللامركزية والاستصلاح الترابي /سبتمبر 2007 وإعلان سياسة اللامركزية والتنمية المحلية سنة 2010 و أخيرا الإستراتجية الوطنية للامركزية والتنمية المحلية سبتمر 2019).
• تعميم البلديات على أرض الوطن وإنشاء 2019 بلدية.
• استحداث المديرية العامة للجماعات الترابية.
• إنشاء الصندوق الجهوي للتنمية كأداة دعم تمويل البلديات.
• اعتماد الاستراتيجية الوطنية للامركزية والتنمية المحلية (سبتمبر 2019)
• تأسيس المجلس الوطني للامركزية والتنمية المحلية سنة 2021.
• جهود العديد من العمد للتحسين من جاهزية بلدياتهم.
• تعدد وتنوع مبادرات التنمية المحلية (12 مشروعا وبرنامجا بتمويل دائم مع ملاحظة أن تأثير هذه المشاريع وانعكاسها على الناس محدود كما يلاجظ تمركزها في بعض المناطق على حساب أخرى والتفاوت الكبير في استفادة مختلف مناطق البلاد منها)
ورغم هذه المكتسبات المهمة إلا أن مكامن الضعف في التجربة البلدية في موريتانيا لا تخطئها العين ويطبع مسيرتها بشكل عام التعثر والبطء بل و التراجع في بعض الأحيان، وهو ما جعل أداء البلديات يظل محدودا في الغالب خاصة فيما يتعلق بالقدرة على تلبية حاجيات السكان من الخدمات الأساسية..
ويمكن تلخيص أهم مكامن الضعف في التجربة البلدية في موريتانيا في النقاط التالية:
أولا: ضعف الصلاحيات:
رغم أن الأمر القانوني رقم 289.87 الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 1987 المنشئ للبلديات وتعديلاته اللاحقة يحدد البلدية بأنها مجموعة ترابية خاضعة للقانون العام، ولها شخصية قانونية، واستقلال مالي وتمتع بميزانية وموظفين وممتلكات خاصة لممارسة الصلاحيات التي يخولها إياها القانون. ويحدد صلاحياتها في تسيير المصالح البلدية والمرافق العمومية التي تستجيب لحاجيات المواطنين المحليين والتي لا تخضع بطبيعتها أو درجة أهميتها لاختصاص الدولة.
ويذهب الأمر القانوني أكثر من ذلك إلى التفصيل في هذه الصلاحيات ويذكر أنها تشمل:
• صيانة الطرق المحلية؛
• بناء وصيانة وتجهيز المنشآت المدرسية للتعليم الأساسي؛
• بناء وصيانة وتجهيز المنشآت الصحية ومراكز حماية الأمومة والطفولة؛
• توفير المياه والإنارة العمومية،
• النقل الحضري والصحي والمدرسي؛
• مكافحة الحرائق؛
• الصحة الوقائية؛
• إزاحة الأوساخ؛
• الأسواق والمذابح؛
• المنشآت الرياضية والثقافية والبلدية؛
• الحدائق والبساتين؛
• المقابر؛
• مساعدة الفقراء؛
• استصلاح وتسيير المناطق التي تقطعها الدولة للبلدية.
ورغم أن الأمر القانوني المنشئ للبلديات نص على تحويل هذه المهام والصلاحيات التي كانت تمارسها قطاعات أخرى إلى البلدية، إلا أن ذلك لم يتم لحد الساعة.
وهو ما يجعل من المشروع التساؤل عن كيف نحاسب البلديات ونطالبها بتنفيذ مهام وصلاحيات لم تسلم لها أصلا ولم يتم توجيه الموارد المخصصة لها في الميزانية إلى البلديات؟
ثانيا: ضعف الموارد المادية و البشرية
تشمل موارد البلديات: الموارد المتأتية من الجباية والموارد المتأتية من تسيير المجال العمومي والخدمات التي توفرها البلديات وتحويلات الدولة للتسيير والاستثمار.
وشكلت الموارد الذاتية للبلديات في المتوسط 33% من مجموع الموارد للفترة 2014-2016. مثلا، كما أن أكثر من 50 % من إيرادات التسيير وجميع إيرادات التجهيز تقريبا تتأتى من تحويلات الدولة والشركاء الماليين وهو ما يعكس مدى ضعف الاستقلالية المالية للبلديات إذ لا تتمكن 80% البلديات من تغطية 10% من نفقاتها في التسيير من خلال إيراداتها الذاتية.
ومخصصات ميزانوية لا تناسب مع الاحتياجات:
وعلى مستوى مخصصات الميزانية يلاحظ ضعف الحصة التي تخصصها الدولة للبلديات (وهو المعيار المحدد لجدية اللامركزية) حيث يصل المبلغ الموجه للصندوق الجهوي للتنمية الذي يمثل آلية التحويل الدائمة للبلديات ثلاث مليارات ونصف موزعة على 219 بلدية من ميزانية الدولة التي تجاوزت حاليا ألف مليار أوقية وهو ما يمثل نسبة 0.35 %من الميزانية وعلى سبيل المقارنة، أنجزت مالي تحويلات للمجموعات الترابية بنسبة 19% من الميزانية الوطنية.
ولم تكن الموارد البشرية للبلديات بأحسن حال إذ لا يتوفر عمال البلديات في موريتانيا على نظام للوظيفة العمومية الإقليمية باستثناء الأمين العام الذي يجب أن يكون موظفا للدولة. حيث أنهم في الأساس وكلاء مساعدون دائمون يخضعون لترتيبات القانون رقم 071.74 الصادر بتاريخ 2 ابريل 1974المحدد لشروط اكتتاب وتوظيف الوكلاء العقدويين للدولة والمجموعات المحلية وبعض المؤسسات العمومية. كما يخضع العمال المؤقتون والعقدويون للقانون رقم 2004/017 المتضمن لمدونة الشغل.ولا يزال عدد العمال ضعيفا جدا أو شبه معدوم في بعض البلديات ( 49بلدية من أصل 219 ) ويمنع سلم الرواتب والتحفيزات الضعيف للغاية من استقطاب أصحاب الكفاءات والخبرة ، وهو ما يحد إلى درجة كبيرة من إمكانيات التدخل والدعم الفني عند البلديات.
ثالثا: ضعف التنسيق مع القطاعات الحكومية والبرامج المتدخلة في التنمية نقص في التنسيق والتخطيط والتأطير المؤسسي للتدخلات الميدانية في مجال التنمية المحلية.
رابعا: اضعف التعاون مع مصالح الدولة غير الممركزة
خامسا: ضعف التعاون البيني وغياب النصوص التي تسهل التكفل الجماعي بالمسؤوليات التي يصعب على البلديات الهشة القيام بها
سادسا : سلطة وصاية مؤثرة .
سابعا: غياب قوة عمومية (الشرطة البلدية)
خلاصات و توصيات:
إن نظرة تقويمية للعمل البلدي بعد مضي ثلاثة عقود ونصف تشير إلى نجاح محدود في بعض الجوانب، مع ملاحظة رغبة واضحة في تعزيز دور البلديات على مستوى النصوص على الأقل.
ويمكننا اعتماد توصيات منتديات اللامركزية والتنمية المحلية فيما يتعلق بالنقل الفوري والإلزامي للصلاحيات التالية إلى البلديات إذا أريد لها أن تكون مؤسسات فاعلة تؤدي الدور المنوط بها على الوجه المطلوب ، وبشكل خاص الصلاحيات التالية:
• .التعليم والصحة مع الخرائط المدرسية والصحية ومنجزات البنية التحتية وتسييرها والتسيير الجزئي لعمال التعليم والصحة.
• التجهيزات التجارية والتجهيزات الاجتماعية مهما كان مصدر تمويلها
• تسيير شبكات المياه والكهرباء.
• النظافة والصرف الصحي: بما في ذلك تسيير النفايات الصلبة (مع إقامة التعاون البيني البلدي)
• الطرق المحلية والإنارة العمومية والمساحات العمومية والتسيير العقاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى